أساليب الرسول صلي الله عليه وسلم في التربية
(2) التربية بالتوجيه (الموعظة )
وكما تتعلق النفس البشرية بالقدوة الحسنة ..كذلك تتأثر بالموعظة المؤثرة ..خاصة عندما تكون علي لسان واعظ حكيم ..يعرف متي يخاطب النفس البشرية وكيف ..
الاعتدال والبعد عن الإملال
عن منصورعن شقيق أبي وائل قال :(كان عبد الله بن مسعود يذكر الناس في كل خميس ،فقال له رجل :ياأبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ،ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم ،فقال :مايمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أملكم ،وإني أتخولكم ،بالموعظة ،كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السامة علينا ).
فإذا كان المتحدث لبقا ..أحسن اختيار الزمان والمكان والموضوع ..والسامعون قد أحكموا أجهزة استقبالهم ..فإن الموعظة الصادقة تمر دون استئذان إلي القلوب فتهزها وتحركها ..ولكي تأتي الموعظة مؤثرة لابد أن تتوفر لها :
- الأجواء التي تساعدها علي شق طريقها إلي النفس مباشرة عن طريق الوجدان ،تهزهوتثير كوامنه لحظة من الوقت .
- وتحتا ج الموعظة ضمن هذا السياق إلي القدوة والوسط الذي يسمح بتقليد القدوة ويشجع الناس علي التأسي بها ..وحين توجد القدوة الصالحة فإن الموعظة تصبح دافعا من أعظم الدوافع في تربية النفوس ..مما يسهم في تغيير سلوك الفرد وإكسابه الصفات المرغوب فيها .
كثيرا مايعجز المرسل في إحداث التغيير الإدراكي عند المستقبل عن طريق المنطق والحجج العقلية ،علي حين تأتي وسيلة الوعظ بتأثيراتها العاطفية علي الوجدان لتغيير كثير من القناعات العقلية التي يعجز الإقناع المنطقي عن إجداثها .
والتربية الإسلامية تعتمد علي الوعظ كطريقة تعليمية مستوحاه مما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ،قال تعالي :(ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنين ).
وإن المتقين هم من يفوزون بهذه الموعظة ،قال تعالي :(هذا بيان للناس وهدي وموعظة للمتقين ).
ومن نماذج الوعظ القرآني ماقاله لقمان لابنه (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ،يابني لاتشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وماجاء في سورة النساء :(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها ،وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به ).
من نماذج الوعظ النبوي
- مارواه العرباض رضي الله عنه قال :صلي بنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم ،ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ،ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل :يارسول الله كان هذه موعظة مودع ؟فما تعهد إلينا ؟فقال : أوصيكم بتقوي الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشيا ،فإنه من يعش منكم بعدي فسيري اختلافا كثيرا ،فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ،تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ،وإياكم ومحدثات الأمور !فإن كل محدثة بدعة ،وكل بدعة ضلالة ).
قال تعالي :(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق )،فإذا لان قلب المسلم استسلم لخالقه فصلحت عقيدته واستقام سلوكه وحسن خلقه .
ولقد أدرك علماء التربية المسلمون أهمية الموعظة كأسلوب تربوي مؤثر ..فاهتموا بالواعظ بنفس القدر الذي اهتموا فيه بمن توجه إليهم الموعظة .
يقول الإمام الغزالي :
(وليس كل من ادعي العلم أو اعتلي المنبر أصبح واعظا ..فالوعظ زكاة نصابها الاتعاظ ومن لانصاب له كيف يخرج الزكاة ؟وفاقد النور كيف يستنير به ،ومتي يستقيم الظل والعود أعوج )؟.
وعليه فإن الموعظة المؤثرة لابد أن تحتوي علي أمور أساسية منها :
- الكلمة الطيبة ..وحسن صياغتها بحيث تصل إلي قلوب السامعين .
- والعاطفة والحماس ..فهي الوقود الذي يوصل الكلمة إلي هدفها .
- والعلم والأخلاق ..فالعلم جوهر التوجيه،والأخلاق شرط التأثير.
- وامتلاك القلوب ..وهي وسيلة الواعظ الحكيم الذي يملك ناصية القلوب فيوجهها بعلم ودراية .
(3) التربية بالتدرج
من المعلوم أن هدف التربية الإسلامية يتمثل ببلوغ الكمال الإنساني ،غير أن هذا الهدف لايمكن بلوغه إلابالتدرج .ولقد كان واضحا كيف أن آيات القرآن الكريم وأحكامه نزلت بالتدريج طيلة فترة التبليغ التي زادت علي ثلاث وعشرين سنة .
ولم ينتقل الإسلام بالمسلمين الأوائل من أخلاقهم القديمة إلي الأخلاق الإسلامية الجديدة جملة واحدة ،إنما تدرج معهم وهياهم برفق للتكليف في شتي العبدات .
فالصلاة مثلا لم تفرض عليهم خمس مرات في باديء الأمر ،ولم يفرض عليهم الصيام والزكاة إلابعد الهجرة بسنة ،كما أن تحريم الخمر تم علي مراحل .
كان صلي الله عليه وسلم يراعي التدرج في التعليم ،يقدم الأهم فالأهم ،ويعلم شيئا فشيئا نجما نجما ،ليكون أقرب تناولا ،وأثبت علي الفؤاد حفظا وفهما .
- عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال :(كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم ،ونحن فتيان حزاورة (قرب البلوغ )،فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ،ثم تعلمنا القرآن ،فازددنا به إيمانا ).
- وعن ابن عباس رضي الله عنه :(أن النبي صلي الله عليه وسلم بعث معاذا إلي اليمن ،فقال :إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب ،فادعهم إلي شهادة أن لاإله إلا الله وأني رسول الله ،فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن االله افترض عليهم صدقة ،تؤخذ من أغنيائهم فترد علي فقرائهم ،فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ،واتق دعوة المظلوم ،فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ).
- وعن محمد بن فضيل ،عن عطاء عن أبي عبد الرحمن -هو السُّلمي المقريء -قال :(حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلي الله عليه وسلم عشرآيات ،فلا يأخذون في العشر الأخري حتي يعلموا مافي هذه من العلم والعمل ).
أما الإمام الغزالي فيري العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا ،وبعضها طريق إلي البعض ،ويوصي المعلم بأن يراعي هذا المبدأ في العملية التربوية فيعطي المتعلمين علي قدر أفهامهم فلايرقيهم إلي الدقيق من الجلي وإلي الخفي من الظاهر هجوما وفي أول رتبة ،ولكن علي قدر الاستعداد اقتداء بالنبي صلي الله عليه وسلم معلم البشر كافة حيث يقول :(نحن معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وأن نكلم الناس علي قدر عقولهم ).
والمربي الناجح هو الذي يسخدم مبدأالتدرج في تقديم متطلبات التربية ومعطيات التعليم ،بما يتلائم تدرجا مع المستوي العقلي للطلاب والطالبات والأبناء والبنات .ومايتناسب مع أعمارهم الزمنية والروحية والإجتماعية ،ودرجات نضوجهم وتفتحهم الانفعالي والعاطفي تقبلا وتعديلا وتوجيها .
(4) التربية بضرب الأمثال
فقد كان صلي الله عليه وسلم يقايس لأصحابه الأحكام ويعللها لهم ،ويضرب لهم الأمثال لتوضيح ماغمض عليهم .
وضرب الأمثال من الطرائق التعليمية الهامة في التربية الإسلامية ..قال الرسول صلي الله عليه وسلم (إن القرآن نزل علي خمسة أوجه :حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ،فاعلموا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال ).
ويراد بالتمثيل تقديم الأفكار أو المعاني بصورة مثل يضرب لتجسيد تلك الأفكار .فهو وسيلة تربوية تعليمية لتقريب ماكان بعيدا ،وإيضاح ماكان غامضا .فالتمثيل يساعدنا علي تقديم الأفكار المجردة بصورة محسوسة ملموسة يعرفها كل الناس أو أكثرهم علي أقل تقدير .
قال تعالي :(وتلك الأمثال نضربها للناس ،وما يعقلها إلا العالمون ).
وقال أيضا :(لوأنزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ،وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ).
في كل الأحوال تبقي الامثال أوقع في النفس ،وأبلغ في الوعظ ،وأقوي في الزجر ،وأقوم في الاقناع .وقد حفل القرآن الكريم ،وأحاديث النبي صلي الله عليه وسلم بالأمثال تضرب للتذكرة والعبرة ،واستعان بها الداعون في كل عصر لنصرة الحق وإقامة الحجة ،ويستعين بها المربون ويتخذونها من وسائل الإيضاح والتشويق ،ووسائل التربية في الترغيب أو التنفير أو المدح أو الذم .
الكلمة الطيبة
قال تعالي:(ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ،أصلها ثابت وفرعها في السماء .تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ).
(ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ).
ضرب الله مثلا :الكلمة بالشجرة ..والناس كلهم يعرفون قيمة الشجرة المثمرة التي يستفيد الناس منها ظلا وثمرا وزهرا وخشبا ..قرب المعني وأوضح المسألة وحول الفكرة المجردة عن طريق التمثيل إلي واقع قائم يتحسسه الناس ويعرفونه .
الإنفاق في سبيل الله
قال تعالي :(مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ).
استخدم القرآن الكريم التمثيل لتوضيح فكرة المكافاة ،فحولها من فكرة مجردة إلي أرقام محسوبة يدركها الإنسان ويعرف مقدارها.
مثل المؤمن
عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه ،قال :قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :(مثل النؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة (الكبّاد )،ريحها طيب وطعمها طيب .
ومثل المؤمن الذي لايقرأالقرآن كمثل التمرة ،لاريح لها وطعمها حلو.
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ،ريحها طيب وطعمها مر .
ومثل المنافق الذي لايقرأ القرآن ،كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر .)
استخدم الحديث النبوي التمثيل فوضح بشكل رائع شخصية كل واحد من هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم الحديث ..وإذا كان البعض لايفرق كثيرابين المعاني والمصطلحات ،فإن كل إنسان يعرف الأترجة طعما ورائحة ،ويعرف التمرة طعما ورائحة كذلك ،ويعرف الريحان ويعرف العلقم ..
الجليس الصالح وجليس السوء
عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :(إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء ،كحامل المسك ونافخ الكير ،فحامل المسك إما أن يحذيك (يهديك )وإما أن تبتاع منه ،وإما تجد منه ريحا طيبة .
ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ،وإما أن تجد منه ريحا منتنة ).
صور الحديث الجليس الصالح تصويرا رائعاا محببا يأنس إليه الآخرون ..وصور جليس السوء بشكل منفر يبتعد عنه الناس اتقاء لشره ..
هدية صلي الله عليه وسلم كالغيث
عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه ،عن النبي صلي الله وسلم قال :(إن مثل مابعثني الله به من الهدي والعلم ،كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ،فكانت منها طائفة طيبة نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير .
وكانت منها أجادب أمسكت الماء فتفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا .
وأصاب طائفة أخري منها إنما هي قيعان لاتمسك ماء ولاتنبت كلاْ .
فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّم ،ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أُرسلت به).
القائم علي حدود الله
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال:قال النبي صلي الله عليه وسلم :(مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها والمدهن (المحابي ) فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها ،وصار بعضهم في أعلاها ،فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء علي الذين في أعلاها ،فتأذوا به ،فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة ،فأتوه فقالوا : مالك؟قال: تأذيتم بي ولابد لي من الماء ، فإن أخذوا علي يديه أنجوه ونجوا أنفسهم ،وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم ).
مثل المنافق
عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله عليه وسلم قال :(مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنيمتين (مترددة )،تعير في هذه مرة ،وفي هذه مرة ،لاتدري أيها تتبع ).

إرسال تعليق